محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
223
بدائع السلك في طبائع الملك
سنن العدل من ملوك الفرس : إذ كان صاحب الدين عندهم ، يضرب به المثل « 242 » في ذلك على لسان البوم حين سمع الملك أصواتها وسأله عن فهم كلامها فقال : ان بوما ذكرا يروم نكاح بوم أنثى ، وانها شرطت عليه عشرين قرية من الخراب في أيامه لتنوح فيها . فقبل شرطها ، وقال لها : ان دامت أيام الملك أقطعتك الف قرية ، وهذا أسهل مرام . فتنبيه الملك من غفلته ، وخلا بالموبذان ، وسأله عن مراده فقال له : أيها الملك ان الملك لا يتم عزه الا بالشريعة ، والقيام لله بطاعته ، والتصرف تحت أمره ونهيه ، ولا قوام للشريعة الا بالملك ، ولا عز للملك الا بالرجال ، ولا قوام للرجال الا بالمال ، ولا سبيل إلى المال الا بالعمارة ولا سبيل للعمارة الا بالعدل ، والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة ، نصبه الرب ، وجعل له قيما ، وهو الملك . وانك أيها الملك ، عمدت إلى الضياع ، فانتزعتها من أربابها وعمارها ، وهم أرباب الخراج - ومن تؤخذ منهم الأموال ، وأقطعتها الحاشية والخدم وأرباب البطالة ، فتركوا العمارة والنظر في العواقب ، وما يصلح الضياع وسومحوا في الخراج لقربهم من الملك ، ووقع الحيف على من بقي من أرباب الخراج وعمار الضياع ، فانجلوا عن ضياعهم ، وخلوا ديارهم ، وآووا إلى ما بعد ، أو تعذر من الضياع ، فسكنوها ، فقلت العمارة ، وخربت الضياع وقلت الأموال ، وهلكت الجنود والرعية ، وطمع في ملك فارس من جاورهم من الملوك ، لعلمهم بانقطاع المواد التي لا يستقيم دعائم الملك الا بها . فلما سمع الملك ذلك أقبل على النظر في ملكه ، وانتزعت الضياع من أيدي الخاصة ، وردت إلى أربابها ، وحملوها على رسومهم السالفة ، وأخذوا بالعمارة ، وقوى من ضعف منهم . فعمرت الأرض ، وأخصبت البلاد ، وكثرت الأموال عند جباة الخراج ، وقويت الجنود ، وقطعت مواد الأعداء ،
--> ( 242 ) م : المثال .